فخر الدين الرازي

194

الأربعين في أصول الدين

إذا ثبت هذا ، فنقول : لو كان الباري تعالى عالما بالمعلومات الكثيرة ، لوجب أن يحصل في ذاته بحسب كل معلوم : علم على حدة . وعلى هذا التقدير يحصل في ذاته كثرة لا نهاية لها . وذلك محال . الجواب : ليس العلم عبارة عن الصور المساوية للماهيات المعلومات المنطبعة في ذات العالم ، بل العلم عبارة عن نسب مخصوصة ، وإضافات مخصوصة بين ذات العالم وذات المعلوم . وإذا كان كذلك ، فكونه عالما بالمعلومات الكثيرة ، يقتضي أن يحصل لذاته نسب كثيرة ، وإضافات كثيرة . وهذا لا يقدح في وحدة الذات . بدليل : أن الواحد نصف الاثنين وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة . وهكذا . إلى ما لا نهاية له من النسب ولم يقدح في كون الوحدة وحدة ، فكذلك القول في هذه المسألة . النوع الثالث من المخالفين : الذين سلموا كونه تعالى عالما بالماهيات الكلية ، لكنهم منعوا من كونه تعالى عالما بالمتغيرات ، من حيث هي متغيرة . واحتجوا عليه : بأنه تعالى لو علم أن زيدا جالس الآن في هذا المكان . فإذا قام زيد من ذلك المكان ، فان بقي ذلك العلم كان جهلا ، لأن اعتقاده أنه جالس هاهنا مع أنه غير جالس هاهنا : جهل . وان لم يبق ذلك العلم ، كان تغيرا . والتغير على اللّه تعالى محال . واعلم : ان المتكلمين صاروا فريقين بسبب هذه الشبهة . الفريق الأول - وهم جمهور المشايخ من أهل السنة ومن المعتزلة - قالوا : ان العلم بأن الشيء سيوجد : نفس العلم بوجوده إذا وجد . واحتجوا على قولهم : بأنا إذا علمنا : أن زيدا سيدخل البلد غدا . فإذا استمر هذا العلم إلى الغد وإلى أن دخل زيد البلد . فانا بهذا العلم نعلم أن زيدا دخل الآن البلد . فعلمنا بأن العلم بأن الشيء